موقع احمد ابوالفاوى فى العلوم الاجتماعية
معزتكم وسط عيني بدم القلب اغذيها
لا الساعات تنسيني
ولا الايام تمحيها...

مدير الموقع/ احمد ابو الفاوى

موقع احمد ابوالفاوى فى العلوم الاجتماعية

العصر والمجتمع / مواضيع اجتماعيه
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 البحث العلمى فى العلوم الاجتماعية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد ابو الفاوى
احمد ابو الفاوى فى العلوم الاجتماعية


عدد المساهمات : 277
تاريخ التسجيل : 31/03/2010
العمر : 50
الموقع : احمد ابو الفاوى فى العلوم الاجتماعية

مُساهمةموضوع: البحث العلمى فى العلوم الاجتماعية   الإثنين أبريل 19, 2010 11:56 am

البحث العلمي في العلوم الاجتماعية تمهيـد: يعتبر الإنفاق المالي في مجال البحث العلمي استثمارا ناجحا بكل المقاييس، ولذلك أصبح أحد الرهانات الأساسية بالنسبة للدول الساعية لتحقيق أعلى معدلات النمو والتقدم، وبفضل ذلك تبوء "رأسمال العلمي" هذه المكانة الهامة نتيجة ما ترتب عن دوره المحوري في التغيير الاجتماعي والنمو الاقتصادي، فهو بمثابة المُحرك لعمليات التغيير والتنمية، والمُحدد والمؤثر على فاعلية وكفاءة مختلف العناصر التي تتشكل منها العملية الإنتاجية.
فالتطورات العلمية التي حققها البحث العلمي لا تؤثر << فقط في طبيعة فهم الإنسان ونظرته إلى العالم من حوله، بل أيضا إلى كشف مناطق جديدة من المعلومات والاحتمالات التطبيقية، التي سرعان ما تتحول إلى وسائل وأدوات تكنولوجية جديدة لإنتاج أو المواصلات أو الخدمات أو الرفاهية ([1]) >>
ولأن العنصر البشري هو الحقل الذي يُستثمر فيه الرأسمال العلمي ازداد الإدراك لأهميته داخل العملية الإنتاجية، فأضحى تبعا لذلك يستحوذ على أهمية بالغة داخل أدبيات وإستراتيجيات التنمية.
وكان من ثمار ذلك تبلور مفهوم "الموارد البشرية" Ressources humains، واهتمام الأمم المتحضرة أكثر وأكثر بما يطلق عليه "التنمية البشرية" Développement humains
ويتم الاستثمار ضمن هذا العنصر، أساسا، من خلال التعليم والتكوين وأيضا من خلال البحث العلمي:
يسعى التعليم << لتطوير القدرات الإنسانية، وتوظيف هذه القدرات في تعظيم الرفاه المجتمعي، ويوسع نطاق الرفاه في ما وراء الجوانب المادية للعيش إلى الحالات الأرقى من الوجود الإنساني ([2])>>
في حين يؤدي البحث العلمي دورا محوريا في تطوير المعرفة العلمية التي تنقل بفضل التعليم، فضلا عن أن الاستحواذ على المواقع الرائدة داخل المنظومة الاقتصادية الدولية لا يتأتى إلا بتسارع البحث العلمي وحسن جني ثمار ذلك في ظل ظروف تنافسية غير متكافئة، تتجاوز الأسوار المحلية والإقليمية.
وسنحاول في الموضوع الأول التعريف بالبحث العلمي، من خلال تفكيكه المفهوم، وإلقاء لمحة تاريخية عن مسار تطوره..
1- مفهوم البحث العلمي: يتركب مصطلح البحث العلمي من كلمتين وهما: "بحث" Recherche و"علم" Science.
وتشير كلمة البحث من ناحية اللغة إلى "التقصي والتحري والاستكشاف والتفتيش".
أما كلمة علم فهي تعني، كما جاء في "المعجم الوسيط ": <<إدراك الشيء بحقيقته>> كما تعني: اليقين.
وإذا تحدثنا عن البحث العلمي فإننا في هذه الحالة، لا نقصد سوى ذلك النشاط الذي يحركه هدف علمي، والذي يتم فق متطلبات المنهج العلمي.
ولذلك يعرف بوصفـه: <<استقصاءً منظما يهدف إلى إضافة معارف علمية يمكن توصليها communicable والتحقق من صحتهاVérifiable ، عن طريق الاختبار العلمي..([3]>>
وعرِّف أيضا بنفس الكيفية باعتباره << نشاطـا علميا هادفا يتضمـن جمع وتحليل المعطيات قصــد إيجاد حل لمشكلة بحث معينة ([4]) >>.
وعلى نفس المنوال عرفه البعض على أنه يعني <<التقصي المنظم باتباع أساليب ومناهج علمية محددة للحقائق العلمية بقصد التأكد من صحتها وتعديلها أو إضافة الجديد لها ([5])>>.
فالاستقصاء العلمي يتسم بالقصد لأنه يسعى إضافة معرفة علمية قد تساهم في إثراء نظرية أو حل معضلة كما قد تساهم في التحقق من صحة نموذج نظري أو تعمق فهمنا لقضية ما، ولذلك لا يمكن وصفُه بالعفوية وهو ليس اعتباطيا، وهو منظم لأنه يخضع لقواعد علمية مضبوطة، وهذه القواعد هي قواعد المنهج العلمي التي تمثل شرطه الآخر ليكون نشاطا علميا.
2- العلم والمعرفة:
عند تحديد مدلول البحث العلمي من الضروري أن نقف على الدلالات العلمية لكلمة علم، مع تحديد المفاهيم المجاورة للمفهوم، لاستبعاد أي لُبس أو غموض، وتحديد المفهوم بشكل جامع مانع.
ويعتبر البعض كلمة علم مرادفاً لكلمة معرفة، غير أن المعجم الوسيط يميِّز بين الكلمتين، كما هو شأن الكثير من علماء اللغة، إذْ يقول: العلم "يُقال لإدراك الكلي والمركّب"، والمعرفة "تقال لإدراك الجزئي أو البسيط.
وحسب المعجم أيضا يطلق العلم <<على مجموع مسائل وأصول كليّة تجمعها جهة واحدة، كعلم الكلام، وعلم النحو، وعلم الأرض، وعلم الكونيات، وعلم الآثار..>>
وتجدر الإشارة إلى أن هذا التعريف يعود (ويستند) إلى التحليل الأرسطي، الذي كثيرا ما يكرر " لا علم إلا الكلي" فحسب هذه المقولة الأرسطية فغاية البرهان ومنتهاه هو الوصول إلى العلم. وهو يقصد بالعلم المعرفة العلم بالكليات وليس بالجزئيات.
تنحصر هذه الكليات الخمس Prédicables في: الجنس، النوع، الفصل، الخاصة والعرض العام. وتسمى أيضا المحمولات، وذلك لأننا نعرّف بها الشيء، يقول محمد عابد الجابري:
<< فإذا عرّفنا الشيء بذكر جنسه وفصله النوعي كقولنا "الإنسان حيوان عاقل" كان تعريفنا له ماهويا وهو " الحد" بالاصطلاح العربي القديم، لأن التعريف هنا حدّ الشيء من جميع جهاته وعبّر عن ماهيته.
<< وإذا عرّفنا الشيء بذكر الجنس والخاصة كقولنا: "الإنسان حيوان نحوي" أو "الإنسان حيوان ضاحك" كان تعريفنا له وصفيا، وهذا هو الرسم بالاصطلاح العربي القديم، وهو يميّز الشيء عن غيره. <<وأما إذا عرفنا الشيء بالجنس والعرض العام كقولنا: الإنسان حيوان يمشي على رجلين" كان تعريفنا له تعريفا بالعرض، لأن المشي على رجلين قد يعرض له ولغيره.
وواضح أن التعريف المعبِّر عن المفهوم، أي عن طبيعة الشيء وماهيته هو المكون من الجنس والفصل أي من النوع. أما التعريف بالخاصة أو بالعرض العام فهو لا يفيد الماهية، بل إنما هو ذكر لبعض صفات الشيء.>> ([6]).
العلم حسب ما جاء آنفا يُدرك الكليات، أي أنه يسعى لمعرفة الخصائص الذاتية للشيء (*) التي تُميزه عن غيره من الأشياء، وليس بمعرفة الأعراض(**) التي تعرض له.
غير أن التحديد المعاصر للعلم يضع حدودا واضحة بين العلم والمعرفة، فهذا عبد الباقي زيدان يُعرف العلم بوصفه <<مجموعة من المعارف المنظمة، أي مجموعة من المعارف والمفاهيم والتصورات التي أمكن التحقق من درجة صحتها بطريقة علمية معينة.([7])>>
ويقول عن المعرفة << ولما كانت المعرفة تنطوي على مجموعة المعاني والمعتقدات والأحكام والمفاهيم والتصورات التي تتكون لدى نتيجة لمحاولاته المتكررة لفهم الظواهر والأشياء المحيطة به، فإنها بذلك تعتبر أوسع حدودا ومدلولا من العلم..>>
ويُضيف عبد الباقي فرقا آخر بين العلم والمعرفة بقوله: << أن المعرفة تشتمل على معلومات علمية وغير علمية، على حين أن العلم لا يشتمل إلا على المعلومات العلمية.. وعلى هذا فإن التفرقة بين المعرفة والعلم تقوم على أساس قواعد المنهج العلمي وأساليب التفكير التي تتبع في تحصيل المعارف([8]) >>.
من مميزات التعريف الجديد للعلم هو حصره لموضوعات العلم، وتأكيده على أن المعرفة بهذه الموضوعات تتصف بالتنظيم والموضوعية وأنه يتم التوصل إليها من خلال الالتزام بإتباع خطوات المنهج العلمي.
وعموما، يتمحور تحديد العلم حول ثلاث عناصر:
1- فهو من حيث الموضوع يشمل الظواهر الواقعية الفيزيقية وغير الفيزيقية، أي الظواهر الطبيعية والظواهر الاجتماعية (السياسية والثقافية...) التي يمكن ملاحظتها في الواقع، أو يمكن الاستدلال على وجودها من مجموع الملاحظات.
2- يتم التوصل إلى المعرفة العلمية بإتباع خطوات المنهج العلمي.
3- وتتسم المعرفة العلمية بأنها منظمة، وذلك لأنه تتألف من قضايا نظرية مؤلفة على شكل نسق متكامل، ولأن التوصل إليها يتم من خلال التزام بقواعد منهجية منظمة.
وهي تتسم بالموضوعية، من حيث كون التوصل إليه يستدعي رؤية العالم الواقعي المدروس كما هو عليه في الواقع دون تغييب أو إخفاء لجانب منه، لأي مبرر.
ويتناغم هذا التعريف مع ما جاء في قاموس علم الاجتماع للدكتور عاطف غيث، حيث يقول <<يشير مصطلح العلم إلى الدراسة الموضوعية المنظمة للظواهر الواقعية، وما يترتب على ذلك من بناء للمعرفة. ويعتقد المتخصصون في العلوم الاجتماعية أن دراساتهم تنطبق عليها شروط العلم من هذه الزاوية، وأن العلم كنشاط إنساني هو ذاته موضوع لبحث العلوم الاجتماعية ([9])>>.
كما تؤكد هذا التعريف المعاصر على نوع بعينه من المعرفة وهو ا المعرفة العلمية Connaissance scientifique، والتي تمثل محتوى للعلم، فهي تشمل مجموع المعارف العلمية المنظمة والمتسقة".
فهي توصف بالعلمية تمييزا لها عن المعارف الأخرى غير العلمية، التي لا تتحقق من خلال التحقيق العلمي عن طريق الملاحظة والتجربة وغيرهما، ولا تقبل الاختبار الأمبريقي.
وبهذا يقتصر مفهوم العلم على نوع محددٍ من المعرفة وهو المعرفة العلمية، وعليه فمفهوم المعرفة أوسع دلالة ومن حيث المضامين من مفهوم العلم، ولذلك يمكن القول: << أن كل علم معرفة، وليس كل معرفة علما ([10]) >>
3- أنواع المعرفة:
تتكون المعارف غير العلمية التي لا تلتزم بقواعد المنهج العلمي ( دون أن يعني ذلك عدم صحتها) في : المعرفة الحسية، والمعرفة الفلسفية، والمعرفة الدينية.
أ- المعرفة الحسية:
يطلق على هذا النوع من المعرفة أيضا المعرفة العامية، لأنها متوفرة حتى عند العامة، والبعض الآخر يسميها المعرفة التجريبية، باعتبارها تتراكم بفضل تجارب وخبرات الإنسان في الحياة، وهي بشكل عام، معرفة لا تحتاج إلى إِعمال العقل والبرهنة المعقدة للحصول عليها، وهي متاحة للناس للتواصل ومعرفة ما يلزمهم من أمور حياتهم المادية والأدبية.
وحسب "ليفي بريل" Lévy Bruhlيطلق على " هذا الاسم على المعرفة التي تقتصر على مجرد ملاحظة الظواهر، ملاحظة بسيطة تقف عند مستوى الإدراك الحسي العادي، دون أن تتجه إلى إيجاد الصلات أو تسعى إلى إدراك العلاقات القائمة بين الظواهر([11])"
ويطلق الأنجلو-ساكسيون على هذه الآراء التي يشترك فيها الناس الآراء المشتركة، Commun Sens ويطلق عليها الفرنسيون Sens commun ومعناهما في الحالتين << الحس المشترك>>.
وهذا التعبير، كما يقول عبد الباسط محمد حسن نطق به أرسطو، إشارة إلى الحواس والإدراك. ويشير اليوم هذا المفهوم إلى الرأي المشترك وليس الحس المشترك، ويفضل البعض كلمة <<الرأي الباده المشترك>>، فهو باده لأنه لا يحتاج إلى أداة من علم أو منطق، وهو مشترك بين جمهور الناس، ومن خلاله يحكمون على الأشياء([12]). ونظرا لأهمية الآراء المشتركة والعامة والسائدة بين الناس، توجد مراكز عديدة تهتم بدراسة هذه الآراء وسبرها.
ويعتبر هذا النوع من المعرفة هو أول نوع ظهر مع الإنسان، وبفضلها يتعرف الإنسان منذ تبلور الإدراك لديه أثناء نموه على محيطه، ويكتسب الخبرات المختلفة.
وبفضل حواسه المباشرة (النظر والسمع واللمس) يدرك خواص الأشياء واستعمالاتها المختلفة، وكيف يستعين بها في جلب المصالح ودفع الأضرار التي تحيق به.
غير أن هذه المعرفة لم تسعف الإنسان " الأولي" Primaire في إدراك الكثير من الظواهر الطبيعية التي تحيط به، ولذلك نسبت بعض القبائل "الوثنية"، أو "الساذجة" بعض هذه الظواهر التي إلى قوى خارقة.
وفسر الإنسان البسيط الأحداث انطلاقا من هواجسه ومخاوفه ومعتقداته الضالة، ولذلك اختلط هذا النوع من المعرفة مع المعتقدات والطقوس التي ابتكرها، فصار هذا النوع من التفكير لا يختلف عن المعرفة الدينية الساذجة.
ويشبّه البعض المعرفة الأولى للظواهر الطبيعية لبعض المجتمعات بمعرفة الأطفال: <<فالإنسان "البدائي" يفسر الطبيعة بإسقاط عواطفه عليها، مثله كمثل الطفل حين يخلع على الظواهر الصفات البشرية، متأثرا في ذلك بالنزعة التشبيهية السائدة لديه، فهو يقول أن إله الريح يغضب كما يغضب بنو البشر، وهو يفرح ويتألم كما يفرح الناس ويتألمون ([13]) >>.
وتجدر الإشارة إلى أن المعرفة الحسية التي تنتقل بين الناس بالتعليم والمحاكاة والتفاعلات المختلفة تتسم بعدم الثبات، خاصة ما تعلق منها بالآراء حول بعض القضايا، فالرأي يتغير بتغير المكان والزمان، إن لم ينقلب بعد حين على عقبيه إلى النقيض تماما بعد ظهور تغيرات أو حقائق جديدة.
ولذلك كانت هذه المعرفة المشتركة، رغم أهميتها بالنسبة للإنسان، ورغم دورها في تطور الحياة الإنسانية، وإضفاء الطابع الاجتماعي على الإنسان، وتيسير سبل المعاش قاصرة على تحقيق الضروريات والأمور البسيطة، و ذلك لعجزها عن تفسير الكثير من الظواهر أو الوقوف على أسبابها الأساسية وحقيقتها الموضوعية.
ب- المعرفة الفلسفية:
تعتبر المعرفة الفلسفية Connaissance philosophique <<معرفة تأملية عقلية، تحتاج إلى مستوى ذهني أعلى مما تتطلبه الحياة اليومية والمعرفة الحسية والتجارب الاجتماعية التي تشكل المكونات الأساسية للمعرفة التجريبية ([14]) >>، أي المعرفة الحسية.
وتجدر الإشارة إلى أن المعرفة الفلسفية هي المرجع الأساس لقادة المجتمع من المثقفين الذين يصيغون منظومات المجتمع التربوية والفكرية، فهم يستلهمون الأهداف الكبرى للبرامج التربوية والاجتماعية والثقافية من فلسفة المجتمع التي هي ترجمان لدين المجتمع وقيمه ومعاييره وتقاليده.
وقد ظهر هذا النوع من التفكير كمرحلة لاحقة في تطور التفكير البشري، ومن أهم سماته أنه لا يقتصر على تناول ومناقشة القضايا والظواهر المحيطة بالإنسان فقط، التي يعرضها الواقع والمرئي، بل يتعداه إلى طرح تساؤلات عن العالم الغيبي، والقضايا التي لا تدركها الحواس، أو كما تسمى ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا).
وبالطبع فإن موضوعات هذه المعرفة، وطرق تناولها تختلف من فيلسوف إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، ومن مدرسة إلى أخرى، ومن عصر إلى آخر، وقد اشتهر اليونان بطول باعهم في هذا المجال، وذلك لتثمينهم للعقل، ولحديثهم عن مبادئ، وقواعد النظر الصحيح، وأساليب القياس الدقيقة كما يبدو من خلال علم المنطق.
وتنقسم ميادين الفلسفة وموضوعاتها إلى ثلاث أقسام رئيسة، وهي: ([15])
(1) المواضيع التي تتعلق بما وراء الطبيعة.
(2) مواضيع تتعلق بمسائل الأخلاق ( قضية الخير والشر وخلافه)
(3) مواضيع تتعلق بنظرية المعرفة.
وهذه الموضوعات ليست حكرا على الفلسفة لوحدها، فهي تعتبر من مواضيع المعارف الأخرى، ولكن تختلف معها في كيفية تناولها. بل يمكن القول أن مواضيع الفلسفة هي في أغلبها مواضيع الدين ذاته يقول العلامة محمد عبد الله دراز: << أليس موضوع الفلسفة هو نفسه موضوع الدين؟ أوليس المشكلة التي تعالجها الفلسفة هي بعينها المشكلة التي انتدبت الأديان لحلها؟ فمطلب الفلسفة هو معرفة أصل الوجود وغايته، ومعرفة سبيل السعادة الإنسانية في العاجل والآجل. هذان هما موضوعا الفلسفة بقسميها العلمي والعملي، وهما كذلك موضوعا الدين بمعناه الشامل للأصول والفروع([16])>>.
وكما أسلفنا فإن المعالجة تختلف، حتى وإن كانت الفلسفة ذات توجه روحي، وتتوافق مع ما أتى به الدين، فما بالك بالفلسفات الأخرى المادية والإلحادية. والاختلاف لا يكون في المناهج والمصادر فحسب، بل حتى في الهداف والغايات<< ذلك أن غاية الفلسفة نظرية حتى في قسمها العملي، وغاية الدين عملية حتى في جانبه العملي. فأقصى مطالب الفلسفة أن تعرفنا الجق والخير ما هما؟ وأين هما؟ ولا يعنيها بعد ذلك موقفنا من الحق الذي تعرفه، والخير الذي تحدده. أما الدين فيعرفنا الحق لا لنعرفه فحسب، بل لنؤمن به ونحبه ونمجده.ويعرفنا الواجب لنؤديه ونوفيه، ونكمل نفوسنا بتحقيقه..([17])>>
ج- المعرفة الدينية:
يمكن القول أن المعرفة الدينية Connaissance religieuse تحصل من خلال الوحي كما هو الأمر في الأديان السماوية، أو من خلال الأساطير والخرافات والعادات كما هو الشأن في الأديان الوثنية، والتي قد يمتزج فيها هذا النوع من المعرفة مع المعارف الحسية والفلسفية.
وقد أدت المعرفة الدينية دورا بارزا في تفسير الكثير من الظواهر الطبيعية والاجتماعية، غير أن ذلك كان يتم بشكل صحيح في أديان التوحيد ويتم بشكل قد يصيب وقد يخطىء في غيرها من الأديان، والتي غالبا ما تتشكل وفق أهواء العوام ومصالح الحكام.
وقد بيّن "ماكس فيبـر" Max Weber عن بعض الأنظمة السياسية (السلطة التقليدية ) التي تحوز شرعيتها بفضل ما يلعبه الدين والعادات المقدسة من دور مهيمن، يساعد على ترسيخ مشروعيتها داخل وجدان الإنسان بسبب احترامه للعادات المتأصلة فيه ([18])،.
وقد وصل أمر الصفقة "التواؤمية" بين المعرفة الدينية والسياسة إلى أشكال فجة عند تعتبر هذه المعرفة الإمبراطور(الحاكم) هو ظل العناية الإلهية، أو عندما يدعي أنه هو الرب ذاته كما حدث مع فرعون موسى.
مما يعني بأن الجهاز الديني قد يكتفي، بفضل منظومته ووظائفه داخل الثقافة والمجتمع، بأداء أدوار سياسية. إذْ قد يتحول إلى مجرد بريد السلطة القائمة إلى عقول وقلوب المحكومين.
وقد وصف الإغريق النظم التي يستند فيها الحكم السياسي إلى الدين بالثيوقراطية Théocratie (وبالإغريقية theokratia) أي حكم الإله، أي الحكومة التي تستند إلى سيادة مطلقة إلهية، وتدعي أن لها شرعية دينية، تكون فيها سلطة الحاكم جزءا من سلطة الإله، وقد ساد هذا الشكل خاصة في مصر الذي ادعى فيها فرعون الربوبية والألوهية.
وساد ذلك أيضا في إيران الساسانية، في القرن السادس الميلادي، كما ينقل العلامة الندْوي، حيث كان ملوكها << يرون أنهم فوق الناس، وفوق بني آدم، وكانوا يُخاطبون بكلمة "الإله" وتُضاف إليهم كلمة الألوهية بطريق مكشوف، وكان الإمبراطور <<الإنسان الأول>> وكان لا يُسمى باسمه عند الخطاب، وكان يعتبر من نسل الآلهة.([19])>>
ومن جهته أوضح عباس محمود العقاد أن متحف "اشمول" Ashmole بانجلترا، والذي أهداه إلى جامعة اكسفورد سنة 1677 عرض ألواحا تتضمن أسماء الأسر التي حكمت بابل بعد الطوفان، وكانت توضح بأن الملوك الأوائل هبطوا من السماء إلى الأرض لحكمها بعد أن طهرها الله، وعاقبها على فسادها([20]).
وفي ذات السياق، كشف الأنثروبولوجي الأمريكي رالف لينتون Ralph Linton في عمله الكلاسيكي الرائع، وأثناء دراسته وتأمله لشجرة الحضارة، عن هذا التداخل القوي بين الوظيفيتين: الدينية والسياسية منذ العصور الأولى.
وعلى العكس من ذلك أدت الأديان السماوية أدورا بارزة في توجيه الإنسانية إلى نوع راق من المعرفة، وهدت الإنسان إلى أفضل سبل المعرفة، وعرّفته بما غاب عنه من الحقائق، وبينت له أحسن الطرق لتوظيف عقله، والتوفيق بين مطالب الحياة وتطلعات الروح.
ونجد هذا في صيغته المتكاملة والشاملة في الدين الإسلامي، والذي حقق للعرب والمسلمين وثبة معرفية معتبرة، أرست القواعد لحضارة إنسانية تجاوزت الآفاق وتخطت الأطباق. وحررت العقل من شتى القيود ودفعته لاستغلال أقصى طاقاته.
وقد كانت المعرفة الدينية في الإسلام دافعا لإثراء المعارف الأخرى، حيث أثرت المعارف الأخرى، وأرست القواعد لبناء معرفة عقلية متينة، ووجهت العقول إلى أنجع الطرق لبناء قواعد منهجية استقرائية، ولذلك شكلت الأساس الذي انبنى عليه العلم الحديث.
ويعود الفضل بالتالي إلى الدين الإسلامي الذي حثّ على إعمال العقل عند ملاحظة الظواهر الكونية والاجتماعية، كما حث على طلب العلم وتدبر أسراره وآياته، وحتى يجنبّ العقل الوقوع في أسر الجدل العقيم وبراثن الخصومات الفكرية الخرقاء حدّد له مجاله المعرفي، الذي يستطيع أن يخوض غماره، وأوضح له القضايا والحقائق التي تدخل ضمن اختصاص الوحي المنزّل، ودعاه إلى عدم إجهاد النفس في الثرثرة في متاهات الغيب..
ويمكن أن نلخص الوسائل التي استعملها الإسلام لتوجيه العقل وبنائه وفق أسس جديدة، بما يتوافق وقدراته المركوزة فيه:
1- دعا الإسلام العقل إلى التحرر من كل الأفكار السابقة، والثقافات المتوارثة عند ملاحظـة أو دراسة الظواهر أوالتعامل مع القضايا الفكرية أو تلقي الأخبار حتى لا يحجب العقلُ عن الحق، ولا تحيد به الذاتية عن إدراك الخطأ من الصواب، وحتى ينخلع من التبعية البليدة للعادات الآسنة والتقاليد المهترئة الواهية.
والقرآن زاخر بهذه المواقف التي تبين وقفته النقدية الصارمة ضد التقليد والمقلدين، الذين يدفعهم كسلهم الفكري وجمودهم العقائدي إلى التمسك بركام واهٍ عتيق من العقائد، بدل الاستناد إلى فكر سديد أو منطق مقبول: { وإن يتبعون إلا الظن ، وإن هم إلا يخرصون} (الأنعام: 116) { قالوا : بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} (لقمان:21) { إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا على لآثارهم مقتدون.}(الزخرف: 23)
وأنظر أيضا: (البقرة: 170) ( الأعراف: 28) ( الأنعام: 148) يونس 78/36 27 النجم : 23.
2- بعد أن دعا العقول إلى التحرر من كل الخلفيات السابقة، والتجرد من الذاتية أمرها بالحذر والتثبت قبل إصدار الأحكام، وتلقى الراويات والأخبار. ولفتها إلى خطوة التلقي والاعتقاد دون إعمال للعقل، وفي هذا يقول القرآن الكريم: ((ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد ،كل أولئك كان عنه مسؤولا )) {الإسراء : 36} (يا أيها الذين آمنوا ا اجتنبوا كثيرا من الظن، إن بعض الظن إثم )){ الحجرات : 12}.
3- وفي ذات الوقت وجّه الفكر والنظر إلى محيط الإنسان وإلى ذاته، وحثه على التدبير في صفحات الكون المنظورة( الطبيعية) حتى يطبع العقل بطابع الدقة والتنظيم، وينشأ على الاعتدال والتوازن، فيتعود على دقة في الأنظار وانضباط الأحكام ([21]). وفي ذلك حثٌ على طلب العلم من خلال القنوات الصحيحة وهي الملاحظة العلمية..
ويعدّ التوجيه القرآني للعقل للتفكير للاستدلال والتعليل وسبر الأغوار من خلال التعامل مع الآفاق الكونية والنفسية والاجتماعية، من أبلغ وأنفذ من أيِّ توجيهٍ آخر:
(( وفي الأرض آيات للموقفين، و في أنفسكم. أفلا تبصرون)) {الذرايات:20-21}
((سنريهم آيتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق)) {فصلت :53}
و انظر أيضا: {الروم: 18ـ 27 يوسف: 109،الأنعام :11؛ النحل:36..}
وقد دعا القرآن في سورة الأنعام (11) والنحل(36) وفي غير ذلك من المواضع إلى السير في الأرض لا بغرض التجارة كما تعوّد العرب على ذلك، بل للنظر ( الملاحظة) والاستطلاع والتدبر، ولمعرفة السنن التي كشفت عنها الأحداث التاريخية. والتي سجلتها الآثار الشاخصة، وروتها الكتب، وتناقلتها الأجيال([22])..
4- وفي الوقت الذي يفتح القرآن صفحة الكون وسجل التاريخ وأسرار النفس للعقل، فإنه يحدِّد له مجاله و إطاره الذي يعمل فيه. ويحذّر من مغبَّة الخوض في بحار المعرفة الغيبية المطلقة، التي يستحيل عليه أن يسبح فيها.
وهو بهذا لا يدعه ينفلت من دائرته وميدانه ليلج إلى عالم يتجاوز "المعقول". وليس في بهذا بخس لقدر العقل، بل في ذلك احترام له و لقدراته ولطاقته، حتى لا تتبدد وتُهدر فيما وراء الغيبيات التي لا سبيل للعقل البشري أن يحكم فيها أو يصول في ربوعها.
فهو يعطيه نصيبه من المعلومات والحقائق الغيبية بالقدر الذي يُلبي ميله إلى المجهول، وحسب ما تتطلبه وظيفته الشرعية والعلمية، ووظيفته المتمثلة في فهم الطبيعة لتعمير الأرض وتفجير ينابيع رزقها. وكما يقول سيد قطب فهناك أمور كثيرة لا يحتاج اليها في وظيفته هذه، ومن ثمّ لم يوهب القدرة على إدراكها ـ إدراك ماهية وكيفية ـ وإنْ كان موهوبا أن يدرك إمكانها([23]).
ومن بين القضايا الغيبية التي لم يوهب القدرة على إدراك ماهيتها (طبيعتها) وكيفيتها، والتي لا يحتاج إلى معرفتها ويصعب عليه إدراكها قضية الروح والذات الإلهية، وبعض مسائل الغيب الأخرى:
((لا تدركه الأبصار، و هو يدرك الأبصار)) { الأنعام:103}
(( ليس كمثله شيء )) { الشورى:11}
وأنظر أيضا: {الأنعام:59؛ آل عمران 7ـ8؛ البقرة: 255؛ الإسراء: 85؛ يس: 82
5-وضع الإسلام أمام العقل البشري دستورا كاملا، ومنهجا شاملا كميدان للبحث والاعتبار، والدراسة والتفكر والتدبر.. لا لكي ينشأ على هذا المنهج فحسب([24])، بل ليتدبر في أسرار توجيهاته، وعمق قواعده، وأصالة تنظيماته التي فيها السعادة و الهداية..
فقد دعا القرآن العقل إلى دراسة آيات التشريع وفهمها ووعيها، حتى يتسنى له استنباط القواعد والأقيسة واستقراء الأحكام واستخراج الأصول التي تُبنى عليها قواعد المناهج التشريعي في الإسلام. كانت آيات التشريع تخاطب أهل العلم وأولي الألباب كما يتبين من الآيات التاليات.
(ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون) {البقرة:176}
(وان تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون) {البقرة:184}
هذه بعض الوسائل إلى اتخذها الإسلام قصد تربية العقل وتوجيهه، حتى يصبح أداة قيمة قادرة على الاستفادة من قدراتها من أجل فهم الطبيعة وبناء الحضارة وإثراء المعارف الإنسانية..
ومن هنا يتبين أن المعرفة الدينية في الإسلام لها خصوصيتها ومجالها، كما أنها داعمة للمعرفة العقلية والمعرفة العلمية، وأداة إثراء وليس وسيلة تعتيم وتعطيل للبحث والاستكشاف.
د- استخلاصات:
بعد عرض هذه الأنواع من المعارف يمكن القول أن المعرفة العلمية " تتضمن نمطا خاصا من المعرفة يتسم بالتطور المستمر، وهي موجهة لدراسة الظواهر من خلال الأساليب العلمية التي أقرها المنهج العلمي، مع الالتزام بالحياد والموضوعية، وهي لذلك قابلة للتحقق العلمي، وللنقل والتعليم، كما أشرنا سابقا، وهذا ما يذهب إليه أيضا "جورج سيمبسون" George Simpson عند تعريفه للعلم بقوله هو: <<المعرفة التي يتم التحقق منها، ويمكن إثبات صحتها ونقلها إلى الآخرين([25]) >>.
وتشترك المعرفة العلمية
منقول للامانة
مقالة للمؤلف الاستاز الدكتور نور الدين زمام أستاذ في جامعة محمد حيضر بجامعةProfesseur )
بسكرة
http://knol.google.com/k/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A9#
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://ahmedfawy2011.yoo7.com
 
البحث العلمى فى العلوم الاجتماعية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع احمد ابوالفاوى فى العلوم الاجتماعية :: قســــــــــــم العــــــــــلوم الاجتماعــــــــــية :: البحث العلمى فى العلوم الاجتماعية-
انتقل الى: